محمد جواد مغنية
324
في ظلال نهج البلاغة
جاء في الخطب السابقة من ذم الدنيا وبيان كوارثها ومآسيها . . ولا نهاية لكلام الإمام عن الدنيا ما دام حبها والتعلق بها علة العلل للويلات والمشكلات . . وأيضا لا ينتهي حب الناس للدنيا وتمسكهم بعروتها إلا من شذّ أيا كان الناهي والزاجر . فقد نهى القرآن الكريم عن الغش والنفاق والفتنة والبغي ، وأمر المؤمنين بالاتحاد والاعتصام باللَّه جميعا ، وقال الرسول ( ص ) : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ومع هذا يغش المسلمون بعضهم بعضا ، وقد ضرب بعضهم رقاب بعض بالأمس البعيد والقريب ، والآن تقوم الحرب والمذابح بينهم في باكستان والأردن واليمن . . ولكن هذا لا يمنع من النهي عن الفساد في الأرض ، لقيام الحجة من جهة ، وعسى أن يفيء الباغي إلى رشده من جهة ، وإن ضعف الأمل . هذا فيما يعود إلى تكرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما فيما يعود إليّ شخصيا كشارح ومفسر فلا جديد لدي أشرح به هذه الخطبة بعد الذي قلته فيما سبق اللهم إلا أن ألخص ما جاء في بعض الشروح بما يلي : ذكر الإمام في هذه الخطبة العديد من مساوىء الدنيا : أولها ان البلاء يحف بها من كل جانب . وثانيها : انها معروفة بالغدر . وثالثها : إن أحوالها متقلبة . ورابعها : إن أهلها يموتون . وخامسها : انها تتغير من حال لآخر . وسادسها : ان عيشها مذموم . وسابعها : انه لا أمان فيها . وثامنها : إن أهلها هدف للبلايا والرزايا . . إلى غير ذلك . ويمكن تلخيص هذا التلخيص بكلمة واحدة : * ( « وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » ) * . ( وكيف بكم لو تناهت إلخ ) . . قال أهل العلم باللَّه وعدالته : إن للانسان قيامتين : صغرى وكبرى ، والأولى عالم البرزخ ، ويبتدىء بالموت ، وينتهي بالبعث ، وفي هذا العالم نوع من الثواب والعقاب ، ولكن لا على سبيل التوفية الكاملة والحكم النهائي المبرم ، أما القيامة الكبرى فتبتدئ حيث تنتهي القيامة الصغرى أي من البعث الذي يرد اللَّه فيه الأرواح إلى الأجساد ، ويبعثها إلى جنة أو إلى نار ، وهذا البعث أو المعاد هو دار القرار ، وفيها يتم الحساب وتوفية الثواب أو العقاب ، وينتهي كل شيء . . قال سبحانه : * ( « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما ) * - 185 آل عمران » أي انكم في البرزخ وغرفة الانتظار تعاملون بما كنتم تعملون في الدنيا ، ولكن كعربون أو بشارة . . أما التوفية الكاملة ، والجزاء التام فيوم القيامة .